لقاء الفرص الذهبية لمستقبل مصر

بقلم: د. مدحت محمد الرفاعي
كان من حُسن حظي أن يرسل لي الصديق العزيز الوزير الدكتور أحمد درويش، تسجيلًا للقاء رئيس الوزراء مع عدد من القامات الفكرية والخبراء المصريين في مختلف المجالات والذي جري يوم الخميس الموافق 3 أكتوبر 2024، فاستمعت لكلمته التي دارت حول أهمية الاتجاه الحقيقي نحو الربط بين قطاعات الحكومة إلكترونيا بشكل فعلي ومطالبته د. مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء بأن يعلن تاريخ ٣١ ديسمبر ٢٠٢٥، أخر موعد تطلب فيه أي جهة حكومية أي أوراق حكومية من المواطن وأن يتم الاعتماد على بوابة الحكومة إلكترونيًا في الحصول على جميع الأوراق إلكترونيًا من خلال الرقم القومي للمواطن فلا يكون مطلوبًا من المواطن إحضار شهادة ميلاد أو شهادة وفاة أو تخرج أو قيد عائلي أو شهادة مخالفات من نيابة المرور ليقدمها لوحدة المرور التابع لها فكل تلك الأوراق متاحة لدى الموظف إلكترونيًا.
وفي السياق ذاته ضرورة فتح كل السبل أمام الصناعة والاستثمار الأجنبي كحل دائم لعجز العملة الصعبة وإلغاء كل التعقيدات الحكومية أمام الصانع والمستثمر، ولابد أن تكون الأولوية للصناعة مع إجراء مراجعة فورية وعاجلة للإجراءات الضريبية والجمركية لرفع القيود التي أدت إلى هروب الكثير من المستثمرين المصريين خاصة الشباب لدول مجاورة نظرًا لوجود مناخ أفضل بكثير من الوضع الحالي في مصر وما يترتب عليه من زيادة نسبة البطالة مع إغلاق الشركات في مصر وفتحها في دول أخري.
كما تناول السادة الحضور ملفات أخرى كان من أهمها التأكيد على أهمية التعليم كمحور أساسي لما له من دور هام في بناء شخصية المواطن المصري الذي ببنائه السليم علميًا وثقافيًا يكون أقوى حائط صد لكل المخاطر المحيطة بمصر خارجيًا وداخليًا إلى جانب أن المصري المُتعلم جيدًا هو أفضل سفير لمصر في الخارج كما أن العاملين بالخارج هم أول مصدر للعملة الصعبة لمصر وبالتالي فالمردود الاقتصادي للتعليم بالغ الأهمية على كافة الأصعدة لذا فإن التعليم يجب أن يكون الأولوية الأولى على أجندة الحكومة وأن يتم إيلاءه أكبر قدر ممكن من الدعم من خلال سد العجز في المدارس والمدرسين، خاصة في ظل الكفاءات العلمية من خريجي كليات التربية جيدي التأهيل والمُتعطلين عن العمل من فترة طويلة، وذلك لكي يعود لمدارس الدولة هيبتها ومكانتها ودورها في بناء شخصية المواطن المصري الذي كان على مدار سنوات طويلة رائد التطور في المنطقة العربية كلها.
كما تناول اللقاء التأكيد على أهمية الفصل بين السلطات ورفع هيمنة السلطة التنفيذية على باقي السلطات في الدولة ودعم اللامركزية خاصة في التعليم والصحة وانتخاب مجالس نيابية مُعبرة عن المجتمع وتطلعاته بتجرد كامل بما يضمن رقابة السلطة التشريعية على أعمال السلطة التنفيذية وإقرار القوانين بشكل صحيح بما يضمن تحقيق مصلحة الدولة والمواطن دون أن يجور أحدهما على الأخر.
كما طالب المُشاركون بتطبيق قياس الأثر الحقيقي للمشروعات القومية التي يتم القيام بها من جانب الدولة مثل مشروعات الطُرق ومشروع حياة كريمة على جودة حياة المواطن ومدى تحقيق أهدافها والاستمرار فيما هو أكثر نفعًا للمواطن والاهتمام بمؤشر الشفافية الدولية لتحسين بيئة الأعمال وثقة المواطن في الدولة وسياساتها في مختلف القطاعات، ومُراعاة التكلفة السياسية للارتفاعات المتتالية للأسعار على المواطنين وخطورة ذلك على الفئة المتوسطة في المجتمع واندثارها وخطورة ذلك على استقرار وأمن وأمان المُجتمع، وأهمية الأخذ بسياسات احتوائية للمجتمع بما يضمنُ حماية الأمن القومي للدولة المصرية والمكتسبات التي تحققت خلال الفترة الماضية، خاصة في ظل الحديث عن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي وخطورة ذلك على المواطن البسيط في ظل التراجع المُستمر لقيمة العملة وبالتالي قد تتحول تلك المبالغ المُقدمة كدعم إلى مجرد رمز لا قيمة له ويفقد الدعم قيمته الحقيقية في الوقت الذي يشكل فيه الدعم العيني أهمية قصوى في ظل ارتفاع مُعدلات الفقر، وبالتالي فالموضوع بحاجة لحوار مُجتمعي موسع وغير مُتعجل النتائج واستطلاعات حقيقية لرأي المواطن على الأرض في مختلف محافظات الجمهورية لمعرفة الأفضل للفئات الفقيرة والمتوسطة، مع الأخذ في الاعتبار فشل التجربة الإيرانية في التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي.
التأكيد على أهمية الالتحام اليومي للمسئولين التنفيذيين مع المُجتمع والتعرف على احتياجات ومشكلات المجتمع خاصة المُحافظين ورؤساء المدن والمراكز والأحياء ووكلاء الوزارات في جميع محافظات الجمهورية واتخاذ خطوات حقيقية نحو حل مُشكلات المواطن بشكل فوري وعاجل من خلال سياسة الباب المفتوح للمسئولين بما يضمن عدم تفاقم تلك المشكلات وتعريض الأمن القومي للبلاد للخطر.
كما تم التطرق إلى المحليات باعتبارها أساس السياسة أو أصل السياسية حسب تعبير د. محمد كمال، أستاذ العلوم السياسية، الذي أشار أنها من وجهة نظره ممكن أن تُصبح المشروع التنموي للدولة المصرية ولكن تحتاج لرؤية كبيرة جزء منها يتعلق باللامركزية في تقديم الخدمات وتطوير الدور الرقابي والتشريعي للمجالس الشعبية المحلية وجزء أخر يتعلق بتطوير دور المجالس التنفيذية المحلية مُؤكدًا على أهمية الإستثمار في النخبة التي سوف تقود البلاد في المستقبل في كافة المجالات من خلال تطوير التعليم والاهتمام بالمؤسسات التعليمية الحكومية، مع التأكيد على أهمية الحد من القواعد التنظيمية التي تُنظم أي نشاط من خلال الابتعاد عن إنشاء المجالس المُختلفة لحل أي مُشكلة وتقليل القواعد المُنظمة لأي نشاط.
فيما أشارت د. نورهان الشيخ، أستاذ العلوم السياسية على ضرورة العمل على التركيز على تشجيع القطاع السياحي كوسيلة لزيادة التدفقات الدولارية القادمة لمصر من خلال استغلال التوترات السياسية المحيطة بنا في جذب المزيد من السياح لمصر خاصة في ظل توافر البنية التحتية السياحية المميزة لمصر والتي لا تتناسب مع العوائد الدولارية لهذا القطاع في مصر، فدولة مثل تركيا ليس لديها ما لدينا من ثروات سياحية هائلة متفوقة علينا بشكل كبير حيث أدخلت ما يزيد على 54 مليار دولار لتركيا في العام الماضي، وفي الوقت ذاته العمل على تقليل التدفقات الدولارية الخارجة من مصر من خلال التعامل بالعملات المحلية مع بعض الدول من خلال التفعيل السريع لإتفاقية البـريكس والدخول في المزيد من الشراكات والعلاقات الدولية التي تحقق الإستفادة القصوى لمصـر وشركائـها واستخدام العملات المحلية في هذه المعاملات بما يساهم في تقليل الضغط على الدولار.
وللحديث عن الفرص الذهبية بقية إن كان في العمر بقية…….
* مُستشار السياسات العامة والتنمية المحلية
دكتوراه في الإدارة العامة – جامعة القاهرة